تحية طيبة وبعد:
أفلاطون من منا لا يعرفه شغل الدنيا بمدينته الفاضلة فرحل عن هذا العالم ولم يعش فيها ولم تتحقق, حتى أنُّ ديونيسيوس -زوج اخته- حينما تقلد الحكم طلب من أفلاطون أن يعلمه شؤون الدولة وصفات الحاكم فلما علمه غضب منه وباعه في سوق العبيد فمدينته لا يمكن أن تتحقق في هذا العالم!
أعجب بسقراط وعاش طالبا بين يديه كان يعجبه كل شيء بسقراط حتى قال "أشكر الله الذي خلقني يونانيا لا بربريا حرا لا عبدا رجلا لا إمرأة ولكن فوق الجميع أشكر الله أنني وُلدت في عصر سقراط" !
استولت عائلة على الحكم بمساعدت أسبارطه وعرضوا عليه المناصب السياسية ولكنه رفض لإعتقاده أنهم ظلمة وانتقموا من خصومهم بشكل متوحش, بعدها انقلب الديمقراطيين على عائلته الأرستقراطية وسرعان ما اخذوا الحكم وسرعان ما أعدموا سقراط.
يوم إعدام سقراط كان نقطة تحول في حياة أفلاطون, اعتزل السياسة وأهلها وبنى مدرسة ليعلم الناس في فيها العلم والخير كيف يكون وماهي صفات الحاكم وواجباته واهتم بالدولة ونظامها, لم يجلس أفلاطون في بيته ويعتزل هذا العالم لأنه رأى الظلم والشر بل صار أعجوبة في العلم والتدريس وهكذا ينبغي أن يكون أهل الفكر أن يسهموا في إصلاح الحياة لا العزلة عن العالم كما فعل الكاتب مارسل بروست الذي بنى غرفة من فلين واعتزل العالم!
ما دعاني لكتابة ما كتبته هنا هو كيف سيعيش الناس داخل مدينة أفلاطون وسوف ألخص كأفكار جزئية شروط مدينته وماهي صفات الناس فيها وماهي الشروط الواجبة علينا لدخول هذه المدينة التي شغلت العالم وماهي أوضاع سكانها وإليكم:
-لا بد لحاكم المدينة الفاضلة أن يكون حيكما فيلسوفا حتى تقام الدولة
-إذا ثبت أن أبناء الحاكم لايصلحون للحكم ينزلون مع الطبقة العامة ويعيشون معها
-الشعراء غير مرحب بهم في مدينة أفلاطون الفاضلة فهو يرى أن نضع على أعناقهم أكاليل الورد ونقوم بإخراجهم بإستثناء الشعراء الذي يمدحون الله والخير, والقول المشهور عنه أن أفلاطون لا يرحب بالشعراء إطلاقا قول غير صحيح وأفلاطون نفسه كان شاعرا ومهووسا بالشعر بخاصة إلياذة هوميروس في ديوان اليونانيين
-المدينة الفاضلة تنقسم لثلاث طبقات "الطبقة الذهبية" هم الذين يسيطر عليهم العقل وهؤلاء يتصرفون بتدبير المدينة و"الطبقة الفضية" وهم الجنود الذين يسهرون لحراسة المدينة ولابد أن يتحلون بالشجاعة و"الطبقة النحاسية" وهم الذي تسيطر عليهم الشهوات وهم العمال
-جميع النساء هن زوجات الرجال ويتم الزواج بينهم بالقرعة!
-الأطفال لا بد ان يُربوا بشكل منظم وبعدل مطلق ولا يجب أن يعرفوا من هم آبائهم مادام أن الصفات التي يريدها الابن من والده موجودة في الدولة التي تربيه
-غير مرحب بالمتشوهين والمولودين بسلالات هابطة في مدينة أفلاطون!
-لابد من الإنجاب من سن الـ35 حتى الـ40 كي يكون الأولاد أقوياء كما يرى أفلاطون
-الرجل الذي يتعدى سنو الـ35 ولم يتزوج عليه أن يدفع ضريبة للدولة لأن الزواج من أساسيات الحياة
-زواج الأقارب ممنوع في مدينة أفلاطون لأنه يضعف النسل
-سلطة الحاكم محدودة ولا يأخذ من الدولة إلا مايكفيه لعام واحد, فقيمة الحاكم وأعظم عمل له هو ولايته على هذه المدينة وهي أكبر من المال
-يتم تقسيم العمل على المقدرة لا على الجنس لذا لو قدرة المرأة على الإدارة السياسية نتركها تحكم, وإذا ثبت مقدرته على غسل الصحون وإدارة شؤون المنزل فنتركه يعمل في البيت, أفلاطون يرى أن القدرة هبة من الله لا يجوز أن نضعها في غير موضعها لذا يقدم القدرة والموهبة على الجنس
هذه هي صفات المدينة الفاضلة ولكن يصعب في هذا العالم تطبيقها وأفلاطون يعلم ذلك لأنه تعرض للكثير حينما كتب عنها حتى أنه بيع في سوق العبيد لأنه نصح الحاكم ابن أخته ولكن لابد لأفلاطون أن يدون هذا العلم الذي يراه فالعلماء قيمتهم ليست بمناصبهم وليست حتى بأفكارهم بل بثباتهم على مبادئهم والصمود لها ومحاربة الشر لأجلها ولو كانت صعبة التطبيق.
المصدر: كتاب "أفكار غيرت العالم" لمحمد جمال الطحان من ص 61 حتى 79