السبت، 18 يناير 2014

لماذا هجا الشاعر أحمد رامي أم كلثوم بعدما اختار لها 300 شعر ونيف؟

تحية طيبة بماء الذهب وبعد:

فمن منا يجهل المكانة العالمية فضلا عن المكانة العربية لكوكب الشرق العظيمة, لم يكتفت صوت أم كلثوم الطاهر بصم آذاننا بل أتحف التاريخ وصم آذانه أعطت الست أم كلثوم لصوتها مكانا عليا في وسط التاريخ الفني.
شهد الموسيقار محمد عبدالوهاب أن ثومة* كانت لديها موهبة عظيمة بالحفظ, فكانت تحفظ الأغاني التي تغنيها وتحفظ لغيرها الكثير رحمها الله أضف لذلك أنها كانت تشغل نفسها بوقت فراغها بالاستماع للمذياع للاطلاع على الأخبار وقراءة شيئا من الكتب الأدبية, وهي بنت بيت أدبي معروف كما قال ذلك الموسيقار العظيم محمد عبدالوهاب.
كتبت ما كتبت بالأعلى لأنني أريد ذكر قصة خلاف لأم كلثوم مع الشاعر أحمد رامي الذي اختار لأم كلثوم مايزيد عن 300 شعر ونيف, ومجدتها بالأعلى -وهي للمجد أهل- لكي لا يظن ظان -لا سمح الله- أنني أسيء لها لا من قريب ولا من بعيد, ثم أما بعد:





هجى الشاعر أحمد رامي أم كلثوم قائلا:

من أنتِ حتى تستبيحي عزتي
فأهين فيك كرامتي ودموعي
وأبيت حران الجوانح صاديا
أصلي بنار الوجد يبن ضلوعي
أعمى عن الحسن الذي هامت به
نفسي وطال إلى سناه نزوعي
وأصم عن نغم عشقت سماعه
أيام كان القلب غير سميع
لكن لماذا هجاها شاعرنا العظيم وقد كان الهدف من علاقتيهما بعد الحب الزواج دون التصريح بذلك الزواج؟ سبب هذه القصيدة هو حفل نظمه المعهد الموسيقي عام 1932 لأم كلثوم فتسابق الشعراء والأدباء لكي يلقوا كلمتهم بهذه المناسبة فكان من بين الشعراء أحمد رامي وقال للست أم كلثوم قصيدته, وقد قالها قديما لغير أم كلثوم, لم تصدق مجلة "روز اليوسف" هذا الخبر فطارت وعنونت أن كيف لشاعر عظيم أن يقدم قصيدة قديمة في مناسبة عظيمة كهذه؟!
فصار موضوع الصحافة آنذاك تلك الحادثة حتى جاءت أم كلثوم لأحمد رامي وقالت: أنت فعلت بي ما لم يستطع أعدائي فعله؟ ألا أستحق منك قصيدة جديدة لهذه المناسبة؟ يا أحمد روح أنا متأسفة أني عرفتك فتركته غاضبة.
بعد هذا الكلام أحس رامي أن الدنيا لا طعم لها ولا لون وقد كان أسوأ يوم في حياته وقد ذكر أنه لا يريد أن يتذكر هذا اليوم ولكنه عجز أن ينساه, فهجاها شاعرنا بالقصيدة التي ذكرتها آنفا.

فدام الخلاف بينهما عام كامل فشلت كل الوسائط والشفاعات أن تحل ذلك الخلاف وترجع ذاك الوئام, بعد ذلك عملت أم كلثوم عملية استئصال الزائدة فزارها أحمد رامي وجراحه لم تزل تدمي منها وذهب بعد ذلك سافرت أم كلثوم لأوروبا 1934 فقرر الشاعر أن يتزوج فكان كل من يعرف علاقته بأم كلثوم يهمس في أذنه: هل ستتزوج حقا يا أحمد؟ وكان لا يجيب لأن الجواب -ها هنا- جرح ليس يلتئم فلما عادت أم كلثوم من أوروبا قابلت الشاعر أحمد رامي وأول ما قالته: صحيح يارامي.. صحيح خطبت.. وحتتجوز؟

فرد عليها بحزن شديد وقال: أصلها بنت زي حلاتي.. يتيمة ومسكينة ومتواضعة.. حاجة كده على قدنا ودي الي ممكن تعيش معي وتحبني.

ترك كل منها الآخر بعد ذلك سألوا أحمد رامي عنها فقال:

هي الحب وعروس الحلم وعروس القصائد, هي الأمل والألم والعذاب وهي الهجر والوصل والضنى والمنى هي كل ما أكتب وكل من أكتب له وظلت هي تغني لي.. وتغني لي لوحدي وكنت كلما سمعتها تغني أقول "كل شيء قسمة ونصيب"
ولما سألوا أم كلثوم عنه قالت:
مع أحمد رامي قرأت الشعر في كل عصوره لقد ساعدني رامي بذوقه واحساسه الفني الخصب في قراءة الشعر العربي. كما أن أحمد رامي كان يعمل لفترة طويلة في دار الكتب فكان يمدني بكل دواوين الشعراء العرب مما أعطاني فرصة رائعة لقراءة هؤلاء الشعراء. وأثناء قراءتي للأشعار التي أعطاني اياها اخترت منها ما يقارب ألف بيت وغنيتها.
(أوقاتي تحلو معاك..وحياتي تكمل برضاك) هي آخر أغنية أنشدتها كوكب الشرق لنا, بقت أم كلثوم صابرة مرتقبة شاعرنا العظيم حتى مرت السنوات فأعلنت أم كلثوم الزواج عام 1954 من الدكتور حسن الحفناوي حتى فارقت هذه الحياة.

وختاما وليس بيننا ختام, مثل هذا الاحترام بين هذين الجبلين يجب أن يخلده التاريخ, فبرغم الخلاف وتبادل الخصام إلا أن المياه سرعان ماعادت إلى مجاريها وذلك لأن الحب والاحترام كان صادقا وخالصا


*ثومة هو لقب لقبه إياها الشاعر العظيم أحمد رامي بعدما حكى لها قصى الآلهة الهندية ثومة فأعجبت بالقصة ولقبه اياها
المصادر:
1- مشاهير وظرفاء القرن العشرين للأستاذ هاني الخير الطبعة الاولى 1993 من دار الكتاب العربي
2- مقابلة الموسيقار محمد عبدالوهاب بحديث مطول عن أم كلثوم رحمهما الله